|
المنتدى :
نصوص المحاضرات
20- محاضرة شرعية بعنوان (حقوق الطفل)- للشيخ عبدالعزيز الفوزان-1428هـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
حقوق الطفل
محاضرة شرعية
للشيخ د.عبد العزيز بن فوزان الفوزان
17-11-1428هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي عمنا جميعا بفضله وأكرمنا بنعمه وشملنا بستره وأفاض علينا من عظيم رحمته فهدانا للإسلام وجعلنا من خير أمة أخرجت للأنام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام وأشهد أن محمد عبده ورسوله سيد الأنام صلى الله وسلم عليه وعلى أله وأصحابه وأتباعه بإحسان ما تعاقبت اليالي والأيام
أيها الأحبة فى الله سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وأسأل الله عزوجل بأسمائه وصفاته أن يعيننا جميعا على طاعته وأن يوفقنا لمرضاته وأن يملأ قلوبنا بمحبته وتعظيمه ورجائه وخشيته وأن يجعلنا مما يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون
أيها الأحبة فى الله، نعم نحن لازلنا مقصرين جدا فى رعاية الأطفال، وإقامة البرامج والملتقيات والمهرجانات التي تعين بإذن الله على إصلاحهم وتربيتهم وحسن إعدادهم، والعجب أيها الأحبة أننا نقصر فى هذا الأمر مع أننا أكثر بلد فى العالم مع نسبة الأطفال فيه ( نسبة عدد الأطفال إلى عدد السكان) ونحن ولله الحمد فى المملكة العربية السعودية شعب فتي وشاب فنسبة الشباب في هذا البلد قرابة الثلثين والأطفال الذين هم دون سن الثالثة عشر من العمر يصلون إلى 42% قرابة النصف ،فنحن شعب فتي وشاب وقوي وهذه والله نعمة عظيمة إن نحن استثمرناها وحرصنا على إعدادها وتربيتها، وإن أهملت صارت شرا مستطيرا وبلاءا خطيرا على هذا البلد وأهله، لأن الشباب أيها الأحبة إذا لم تحسن رعايتهم وتوجيههم ويمدوا بخبرة الكبار ومعرفتهم وإدراكهم لعواقب الأمور ونظرهم فى مالاتها فإن عندهم من القوة والحيوية والإقدام والشجاعة التي تصل إلى حد التهور فى الكثير من الأحيان ما يزول المجتمع إلى التحلل والانهيار أو إلى أعمال إجرامية تضر المجتمع ولا تنفعه. من هنا تأتي أهمية هذه الملتقيات ووجوب العناية ورعاية الأطفال وحسن تربيتهم وإعدادهم إنهم والله نعمة من أجل النعم لكنهم إذا أهملوا وقصرنا فى حسن إعدادهم وتربيتهم صاروا نقمة تطال المجتمع بأنواع الشر والأذى.
إن الأطفال أيها الأحبة من بني الإنسان وحتى الحيوان هم عنوان الصفاء والنقاء والبساطة والبراءة ،وأطفالنا هم قرة أعيننا وثمرات أفئدتنا بهم تسعد الروح وتأنس النفوس ويطمئن الخاطر والبال، فالنظر إليهم سعادة وملاعبتهم سرور وتقبيلهم بهجة ولمهم فرح واستبشار والاستكثار منهم قربة وتربيتهم دين وعبادة ،هم نعيم وبهجة ولذة فى الصغر وزاد وذخر فى الكبر، فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستكثار منهم فقال ( تناكحوا تناسلوا فإني مكاثروا بكم الأمم يوم القيامة),, وقال فى الحديث الأخر وهو أيضا حديث صحيح (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثروا بكم الأمم يوم القيامة ) لهذا إمتن الله عزوجل على عباده بهذه النعمة العظيمة وجعلها من أياته الدالة على وحدانيته وتقربه فقال سبحانه ({وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ }النحل72 ). وقال عزوجل (ِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ }الشورى49. وحفظا لهذه النعمة وشكرا لها أيها الأحبة وحرصا على أن يقوم الآباء برعايتها حق الرعاية فإن الشريعة الإسلامية العظيمة قررت حقوق الطفل قبل أن يتحدث عنه العالم الحديث ويتشدق بها فى مواثيقه وعهوده وجمعياته منذ ألف وأربعمائة سنة.
والإسلام لم يحافظ فقط على حقوق الأطفال وغيرهم من بني الإنسان ،ولم يكتفي فقط بالحفاظ على حق الطفل من حيث إيجاد هذه المصالح بتشريع مايقيمها ويقويها ويكملها وتشريع ما يحفظها ويصونها ويمنع من كل إعتداء واقع ومتوقع عليها فقط ،بل زاد على ذلك أنه كرم الإنسان على جميع المخلوقات قال الله عزوجل {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 فكرم الله عزوجل الإنسان وفضله على أكثر الخلق (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 بل أفضل الخلق وأكرمهم وأقربهم إلى الله عزوجل وأرفعهم منزلة عنده هو من بني الإنسان وهو رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام فهو أفضل من جميع المخلوقات فى الأرض وفى السموات ما علمنا منها وما لم نعلم .
ومن شدة عناية الإسلام بالإنسان طفلا كان أو كبيرا أن الله عزوجل سخر له مافى السموات ومافي الأرض ،وكرمه بأعظم كرامة وهي بأن أرسل إليه الرسل ، وأنزل إليه الكتب وشرع إليه من الشرائع والأحكام ما يصلح به حاله فى المعاش وفى المعاد وفى عاجل أمره وأجله ،ثم أيضا كرمه بالعقل الذي يميزه عن سائر الحيوانات والعجموات وبه سخر الله عزوجل له ما فى الأرض والسموات.
ومن شدة عناية الإسلام بالإنسان وتكريمه له أنه عنى بهذا الإنسان قبل أن يخلق وبعد أن يتخلق جنينا فى بطن أمه وبعد أن يولد ويخرج إلى هذه الحياة ومن هنا نستطيع القول أن حقوق الطفل فى الإسلام تنقسم من حيث الجملة إلى ثلاثة أقسام:
-حقوقه قبل التخليق
- حقوقه حين يخلق جنينا فى بطن أمه
- حقوقه بعد الولادة
أما القسم الأول وهو حقوقه قبل تخليقه فهي:
1-أولا حفظ نسبه وتكوين المحضن الصالح المناسب لتربيته ورعايته
فمن أعظم حقوق الطفل فى الإسلام أن الله عزوجل أوجب أن يكون له أب شرعي ينسب إليه ويدعى به ،ويهتم بهذا الطفل ويحسن القيام عليه ولأجل هذا حرم الله عزوجل الزنا، وشدد العقوبة على فاعله فكان هذا من أكبر أنواع الاهتمام بالطفل وحقوقه ،وهي ما لم يدركه الغربيون ومنظروه الذين نسوا أن أول حق يجب أن يتمتع به الطفل أن يحي حياة أسرية كريمة ،وفى محضن تربوي مأمون.
إلى الأن لا يدركون هذا الأمر ولا يدعون إليه بل يبيحون العلاقات الجنسية المحرمة والعياذ بالله على أوسع نطاق ،ويعتبرون ذلك جزءا من الحرية الشخصية إذا من أعظم حقوق الطفل فى الإسلام أن يكون له أب محب حنون مشفق ،وأن يكون له أم رؤوم محبة مشفقة فهذا من أسباب تحريم الزنا أن الزنا يحكم عن المولود أن يعيش بدون أب يرعاه ويحوطه وهو ما يطلق عليه اليوم فى الغرب بظاهرة الأم العاهدة إذ يتهرب الزاني من كل المسئوليات والواجبات التي ترتبت على تلك الشهوة الجنسية المحرمة ،ويرمي كل تلك المسئوليات الناشئة عن هذا الولد على عاتق المرأة المسكينة التى لا تملك خيارا أمام عاطفتها إما أن تتحمل المسئولية كاملة وأن تقوم بدور الأم والأب فتظل تكد طول حياتها من أجل تربية هذا الطفل ورعايته فتكون بإقترافها لجريمة الزنى قد حرمت هذا الولد من أكبر حق له فى هذه الحياة وهو حق الأبوة التي ينتسب إليها ويعتز بها.
وفى كثير من الأحيان وخاصة فى البلاد الغربية تتغلب المرأة على عاطفة الأمومة والمحبة والشفقة وتتخلى عن مسئوليتها فى تربية هذا الولد ورعايته وتلفظه لينتهي به المطاف لدار الحضانة لينخرط بعد ذلك سلك الإجرام بعد أن حرم التربية الصحيحة وسلب أهم حق ضمن له الإسلام وهو حق الحياة الأسرية والنسب النظيف ينتسب إليه ويعتز به هذا إذا لم تجهضه قبل ذلك وهو حي ثم يرمى فى الزبالة كما ترمى المخلفات والعياذ بالله
إن وجود أسما يستند إليه الإبن فى حياته ويعتز به وإن غيب الأب موت أو غيره من الأسباب إنه والله لحاجة فطرية وضرورة نفسية لا تستقيم حياة الفرد إلا بها، فلا يمكن أن نربي إنسان سويا من الناحية النفسية والعاطفية والإجتماعية إلا إذا عاش فى كنف أسري صحيح وعرف من هو أبوه ومن هو أمه اللذان يلجأ إليهما ويستمد منهما العون والمساعدة والنصرة بعد الله عزوجل، وإلا عاش حياته مضطربا لا يعرف للمبادئ قيمة ولا يرى للفضيلة أية معنى، فإن كل من ينظرون لإنتهاك الأعراض تحت شعار الحرية الشخصية أقول لهم إنكم والله تظلمون الإنسانية وتطعنوها فى الصميم، إنكم تدمرون الطفولة البريئة وتهدمون المنظومة الأسرية ،فهاهي مجتمعاتكم قد إكتضت باللقطاء وها هي سجونكم تعاني من كثرة الموقوفين والسجناء بعد أن أخطأتم الطريق وظللتم عن سواء السبيل ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون.
نعم أيها الأحبة قد يوجد الطفل من غير نكاح صحيح وذلك عن طريق العلاقات الجنسية المحرمة كما هي حال الحيوانات والبهائم وأمثالها من بني الإنسان مع الأسف الشديد لكن هذا والله لا يليق بالإنسان الذي كرمه الله وفضله على الحيوان وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وكما أن هذه الإباحية الجنسية تهبط بالإنسان من عالم السيادة والكرامة إلى حظائر الحيوان فى الغاب وتجعل النساء أشبه أعزكم الله بالمراحيض العامة التى يمر عليها كل رجل فيلقي فيها فضلته ثم يولي مدبرا فإنها مع ذلك تؤدي ولابد إلى اختلاط المياه وتضييع الأنساب وإهمال الأولاد، وجعلهم يعيشون فى التشرد والضياع وواقع الدول الإباحية خير شاهد على ذلك.
وقد نبه ربنا عزوجل إلى هذه الحكمة العظيمة فى قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء }النساء1 وقال عزوجل فى الأية الأخرى {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} إن الولد حينما يخلق فى بطن أمه من نكاح صحيح يجعل والديه فى غاية السرور و فى شدة ترقب لهذا الجنين وهو يكبر يوما بعد يوم في بطن أمه وينتظران تلك اللحظة السعيدة المفرحة حين يخرج ذلك الولد في بطن أمه فيشعر بحنان الأبوية والأمومة منذ لحظة تخليقه فى بطن الأم ،وعند خروجه إلى هذه الدنيا فيجد من الرعاية والحنان والإهتمام وصدق المحبة والمودة والحرص على مصلحته ورعايته مالايكاد يوصف ،إنهما يشعران أن هذا الولد جزء منهما وامتداد لهما وذخر لهما فى الحياة وبعد الممات فيترقبان قدومه ويخلصان فى محبته ويجتهدان فى رعايته وتوفير حاجاته وتربيته وحسن رعايته، فيشعر الولد بدفئ والحب والحنان ويترعرع بطمأنينة وسكينة وأمان ويكتسب من أبائه الأخلاق الحسنة والقيم الرفيعة ويعرف ماله من حقوق وما عليه من واجبات ويستطيع التفاعل مع الآخرين والتعايش معهم بأمن وسلام . كما أن هذا الطفل أيضا يعرف أصله ويفتخر بانتسابه لأبيه لأن فى هذا النسب حفظ كرامته تأكيد ذاته وتحقيق سعادته اما حين تختلط الأنساب ويبقى الولد ليس له أب معروف يعنى بتربيته ويهتم بشأنه، فإن هذا الولد يشعر بأنه مقطوع الأواصر وأن مآله إلى الضياع والتشرد ،فينشأ ناقما على المجتمع متحلل من الأخلاق والقيم، وإن انقطاع المرء عن أسرة ينسب إليها ويعتز بها ويحرص على سمعتها وصيانة كرامتها يجعله فردا مقطوع الأواصر لايبالي بما يصنع وما أيسر إرتكاب الجرائم وأكثرها ممن كان هذا حالهم وحرموا عطف الأبوة وحنان الأمومة وواقع الدول الإباحية من أكبر ما يشهد لذلك. وقد أثبتت الإحصائيات أن نسبة الإجرام فى أولاد اللقطاء أكثر منها فى غيرهم أضعافا مضاعفة ومن ذلك إحصائية أجريت فى فرنسا عام 1924 وهي إحصائية قديمة كما تلاحظون أتضح من خلالها أن 64% من الجرائم التي ارتكبت كان مرتكبوها من اللقطاء على الرغم من أن نسبة هؤلاء بالنسبة إلى الشعب الفرنسي أناداك لا يتجاوز 9% فقط تسعة بالمائة من مجموع الشعب يقترفون قرابة ثلثي الجرائم التي تحصل في ذلك البلد إذا هذا هو الحق الأول قبل أن يخلق الجنين حفظ نسبه وذلك بتحريم لزنا والعلاقات الجنسية غير الشرعية
-2-الحق الثاني من حقوق الجنين أو الطفل قبل أن يخلق إختيار الزوجة الصالحة والزوج الصالح
إن الله عزوجل لم يترك الباب مفتوحا للرجل أن يتزوج من يشاء وكيف ما أتفق ولم يترك المجال أيضا للمرأة أن تتزوج من تشاء وعلى أي حال كان، لأن الأمر لا يتعلق بهما وحياتهما فحسب بل يمس الأولاد الذين سينشئون عن هذا النكاح مساسا مباشرا ،فكان لهؤلاء الأولاد قبل أن يولدوا بل قبل أن يتزوج أبوهم أمهم كان لهم حق فى اختيار الزوج الصالح الكفء والزوجة الصالحة المناسبة. لان هؤلاء الأولاد سينشئون ويعيشون فى أحضان هؤلاء الأبوين من أول إستهلالة لهم فى هذه الحياة، إنهم سيرضعون من الأم لبنها وينهلون من حبها ويرثون من خلقها فهي بالنسبة لهم القدوة العليا والأسوة المثلى و كذلك الحال فى الأب وهو القيم على الأسرة والراعي لها .
ولهذا حرم الله عزوجل نكاح المشركات وحرم أنكاح المشركين ومن حكمه كما ذكرت حتى ينشأ هؤلاء الأولاد فى بيئة إسلامية صالحة ينعمون فيها بحسن الرعاية والإهتمام مع التربية على توحيد الله عزوجل ومعرفته ومراقبته كما حرم الله عزوجل إنكاح الزاني ونكاح الزانية قال الله عزوجل {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }النور3 يعني أنكاح الزناة ونكاح الزانيات وهذه الآية سبب نزولها قصة مرفد ابن أبي مرفد الغنوي رضي الله عنه وهي وردت فى سنن الترمذي وغيره وهي قصة صحيحة مشهورة أن رجلا يقال له مرفد ابن أبي مرفد كان يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم إلى المدينة وكانت امرأة بغي زانية معروفة بمكة يقال لها عناق وكانت معروفة بجمالها وحسنها وكانت صديقة له فى الجاهلية وذكر رضي الله عنه أنه واعد رجلا من أسرى مكة ليحمله فقال فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة فى ليلة مقمرة فقال فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط فلما انتهت إلي عرفتني فقالت: مرفد.. قلت: مرفد فقالت مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة .. قال قلت ياعناق حرم الله الزنا .. قالت يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم نادت علي قال: فتبعني ثمانية منهم فسلكت الخندمة فانتهيت إلى كهف أو غار فدخلت فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا فظل بولهم على رأسي وأعماهم الله عزوجل عني قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجل ثقيلا حتى انتهينا إلى الإنخر ففككت عنه وجعلت أحمله ويعينني حتى قدمت المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يارسول الله أأنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي شيئا حتى نزلت {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً}النور3 أي لا يرضى بنكاحها إلا أن يكون زانيا مثلها فاجرا لايبالي بالعفيفة من الزانية والعكس أو أن يكون مشركا لا يعتقد حرمة الزنا أصلا وكذلك بالنسبة للمرأة لا تنكح إلا زانيا أو مشركا ..قال فتلى هذه الأية {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }النور3 .. فلا تنكحها .. فلا تنكحها. فدل الحديث والآية على تحريم نكاح المرأة الزانية مادامت مصرة على الزنا لم تثب منه وعلى تحريم أنكاح الزاني مادام مصرا على الزنا لم يتب منه فإن تابا فالتوبة تجب ما قبلها والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
إذا من حق الولد على والده أن ينتقي أمه لأن التربية أساسا تعتمد على اختيار الزوجة الصالحة الودود التى تحسن سياسة أولادها وتعرف كيفية رعايتهم وإعدادهم وتحرص على غرس الإيمان فى نفوسهم وتهذيب أخلاقهم وتنشئتهم على مراقبة الله تعالى ورعاية حقوقه وحقوق عباده والزوجة بمنزلة التربة فإن كانت صالحة أنبتت نباتا حسنا صالحا وإن كانت سيئة فعلى العكس من ذلك قال الله عزوجل {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً }الأعراف58
ورد عن أبي أسود الدؤلي رحمه الله أنه جمع بنيه فقال لهم (يا بني قد أحسنت لكم صغارا وكبارا وقبل أن تولدوا قالوا وكيف ذلك قال التمست لكم من النساء الموضع الذي لا تعابون به )..كان هذا قبل ولادتهم بل قبل أن يخلقوا ولهذا قال الحكماء (اجتنبوا الحمقاء فإن ولدها ضياع وصحبتها بلاء ) ..وكلام العلماء فى هذا الباب كثير ليس المنهي عنه فقط نكاح المشركة أو نكاح الزانية التي لم تتب من الزنا بل ينهى عن نكاح الحمقاء الجاهلة لأنها كما قالوا ولدها ضياع وصحبتها بلاء ،والنكاح لاشك يراد للعشرة والتربية والحمقاء لا تصلح لا لهذا ولا لذاك وربما تعدى حمقها لولدها فى الغالب لهذا جاء فى الأحاديث النبوية أيها الأحبة الكثيرة توصي بإختيار الزوجة الصالحة الودود كما قال عليه الصلاة والسلام ( تخيروا لنطفكم فإنكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم ) والحديث صحيح أي تزوجوا منهم وزوجوهم.
وقال عليه الصلاة والسلام ( تنكح المرأة لأربع لمالها و لجمالها ولحسبها ولدينها فأظفر بذات الدين ثربت يداك) .. إذا المرأة الصالحة الكفء ذات العقل والأدب والأصل الكريم والمنبت الحسن والخلق الفاضل لاشك أن كل ذلك مؤثر فى صلاح الولد ونجابته واستقامة دينه وحسن سيرته وأخلاقه، وإذا أبتلي أحد الناس بزوجة غير صالحة فواجبه أن يبادر من أول زواجه بإصلاحها والحرص على استقامتها حتى يسعد بها هو وأولاده معه .ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( المرء على دين خليله فلينظر أحكم من يخالل) أنظروا هذه البلاغة فى التعبير ما قال المرء يتأثر بخليله أو يكتسب من صديقه قال على دين خليله فلينظر أحدكم من يخلل لا شك أن الزوج وكذا الزوجة خليل ملازم بل لا أحد أكثر ملازمة وخلة وصحبة من صحبة الزوج لزوجه، لان الحياة بينهما تراد بدوام حتى الممات. ولهذا قال الله عزوجل { وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}البقرة221 والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) هذا خير متاع الدنيا أيها الأحبة وهذا كلام من لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام ولا يقول هذا جزافا يقول ( خير متاع الدنيا المرأة الصالحة) بل قال فى الحديث الأخر ( ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عزوجل خيرا من امرأة صالحة إن نظر إليها أسرته وإن أمرها أطاعته وإن غاب عنها حفظته فى نفسها وماله)
وقد صدق القائل
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق
وإذا يقال هذا فى حق المرأة فيقال أيضا فى حق الزوج ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجه إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد وكبير) سبحان الله يدخل فى هذه الفتنة والفساد الكبير فساد الأولاد حين لا يتوفر فى الزوج صلاح الدين والخلق، بالإضافة على ما يترتب عن رد الكفء الصالح من انتشار الزنا والفواحش والعلاقات المحرمة والعياذ بالله .(فقد جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو إليه عقوق أبنه فأحضر عمر الولد وأنبه ولامه على عقوقه لأبيه فقال هذا الولد يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟؟ فقال : بلى .. فقال : ماهي يا أمير المؤمنين ..قال عمر : أن ينتقي أمه وأن يحسن أسمه وأن يعلمه الكتاب قال يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شئ من ذلك أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي وقد سماني جعلا ولم يعلمني من الكتاب حرفا واحدا فلتفت عمر رضي الله إلى الأب وقال جئت إلي تشكو عقوق أبنك وقد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك )وفى هذا والله درس وعبرة والسعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه
حقوقه وهو جنين فى بطن أمه:
1-وأول هذه الحقوق حفظ حياته وتحريم قتله وإجهاضه
كلنا يعلم أيها الأحبة كيف عظم الله عزوجل الحياة الإنسانية وعظم شأن الدم الحرام المعصوم وعظم هذه الروح التي يحملها الإنسان بين جنبيه فمتى نفخت الروح فى الجنين فإن قتله يعتبر جريمة وإزهاق نفسه يترتب عليه الكفارة والدية ويأثم الفاعل إثما عظيما إن كان متعمدا لذلك
نعم ذهب جماعة من العلماء إلى جواز إجهاض الجنين مادام فى الأربعين الأولى وهذا هو المشهور فى مذهب أحمد وجماعة من العلماء لأنه لم يزل نطفة لم يتخلق لكن بعد الأربعين لا يجوز إجهاضه إلا فى حال واحدة وهي محل خلاف أيضا وهي أن تكون الأم مريضة ويخشى إن أستمر حملها أن يقتلها، فذهب الكثير من العلماء إلى جواز إجهاض الجنين بعد الأربعين حفاظا على حياة أمه لأن حياته محققة وحياة هذا الطفل مظنونة فهي أولى بالمراعاة وذهب بعض العلماء بأنه لا يجوز إجهاضها ولو ماتت لأن المحافظة على حياتها ليس بأولى من المحافظة على حياة الجنين، أنظروا كيف عظم الله عزوجل شأن هذا الجنين وهو لايزال فى بطن أمه وكيف حفظ حقه فى الحياة وفى صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى إمرأتين من هذيل اقتتلتا حصل بينهما نزاع فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية ما فى بطنها مرة عبد أو أمة ...فتساوي خمسة من الإبل فقال ولي المرأة التى غرمت كيف أغرم يارسول الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا أستهل فمثل ذلك يطل فقال النبي صلى الله عليه وسلم .. إن هذا من إخوان الكهان ) .. لانهم معروفون بالسجع يسجعون الكلام .
إذا هذا الإعرابي يقول كيف يغرم وهذا يعتبر هدرا ولا قيمة لحياته لكن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن هذا قتل للنفس موجب للكفارة
ولهذا أيضا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يفعله أهل الجاهلية من قتل الأولاد خشية الفقر والحاجة وأنتم تقرأون قول الله عزوجل {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً }الإسراء31 وتأمل كيف قدم الله عزوجل رزقهم قبل رزق الآباء ... {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً }الإسراء31 .ولاشك أن قتل الأولاد والعياذ بالله من أعظم الجهل وأشد أنواع الجناية والظلم وهذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم فى حديث ابن مسعود حين سأله (يارسول الله أي الذنب أعظم.. قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) .. أو( خشية أن يطعم معك)
| توقيع : رقية الرسالة |
رسالتي..رسالة الاسلام![,v]m](http://www.msha3ry.com/fisat-abtsamat-msn/fees-msn%20(44).gif) عندما تنظُر إلى كُل أقدار حياتك على أنها من اختيارات الله، وتشعُر بالرضا عنها وعن رزقك، فاعلم أن الله قد رضي عنك إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي" خذ دقيقة من وقتك فقط وقل سبحان الله . والحمدلله لا إله إلا الله .والله أكبر وكن سبباً في تذكر الكثيرين بذكر الله اللهم إنا نعوذ بك من ذنوب الخلوات التي تخفى على خلقك ولا تخفى عليك ليس أنفع لأهل البلاء من الصبر و الدعآء ، وليس أنفع لأهل العآفية من الشكر و الثنآء . ابن القيم |
التعديل الأخير تم بواسطة رقية الرسالة ; 13-07-2010 الساعة 01:51 PM
|