مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً ، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً ، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ قال النبي ﷺ

:: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾::


هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل .

و يسعدنا كثيرا انضمامك لمنتديات رسالة الإسلام ...

للتسجيل اضغط هـنـا



نصوص الفتاوى والمحاضرات نسخ محررة نصا لبرامج ومحاضرات ودروس وخطب د. عبدالعزيز الفوزان

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 31-05-2014, 01:07 PM   #1
ينابيع التفاؤل
مشرفة عامة
 
الصورة الرمزية ينابيع التفاؤل
 

Sahm نص خطبة (معاندة الفطرة) للشيخ عبدالعزيز الفوزان حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة (معاندة الفطرة) [1]
للشيخ عبدالعزيز الفوزان حفظه الله





الخطبة الأولى

الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , لا رب لنا غيره ولا معبود بحقٍ سواه من تقرب إليه قربه وأدناه وأسعده في دنياه وآخراه ومن أعرض عن ذكره أبعده وأشقاه وجعل النار مثواه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله ومصطفاه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه واهتدى بهداه

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾( آل عمران :102)
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾( الأحزاب:70-71)

..
أيها الأحبة في الله من أمن بالله واتبع هداه فإنه موافقٌ لمحبته ورضاه , ويسير في الاتجاه الصحيح الذي أراده الله عز وجل لعباده ودلهم عليه ولهذا فإن هذا الرجل يعيش حياةً هنية وسعادةً حقيقية وينتظم معاشه وما يرجوه عند الله في الآخرة أعظم وأكبر وأبقى وأما من أعرض عن طاعة الله وعصاه وتنكب هداه فإنه يعاند فطرة الله التي فطر الناس عليها وهو يسير عكس الإتجاه الصحيح ويسبح ضد التيار لأنه معارضٌ لسنن الله عز وجل ونواميسه في خلقه وكونه ومصادم لتشريعاته وأوامره ونواهيه ولهذا استحق أن يشقى في الدنيا وفي الآخرة وحال هذا الكافر المعاند أو الفاسق الذي قطع أنفاسه بالفسق والفجور كحال رجلٍ خرج مسافرًا إلى بلد وبدل أن يسير في طريق الرائحين عكس الإتجاه وسار في طريق القادمين وواجههم وجها لوجه فكم يا ترى من الأخطار والبلايا والمصائب التي سيتعرض لها ويعرض لها الآخرين !وكم من الأذى سيلحقه وكم من اللوم الشديد والتقريع الذي يلقى إليه لأنه عارض الأنظمة الوضعية التي جعلت لحفظ مصالح الناس وانتظام معاشهم !.

فكيف بمن يسير في كل لحظات حياته بل في حميع حركاته وأنفاسه خلاف سنن الله عز وجل والتنظيمات والتشريعات التي شرعها لأجل إسعاد عباده وهدايتهم لما فيه صلاح أمرهم وانتظام معاشهم ومعادهم فستكون حياته حياة قلق وضتك وشدة سيتنغص عيشه وتتكدر حياته ويجد أن أبواب الخير والسعادة والتوفيق موصدة في وجهه إينما ذهب وحيثما اتجه لا يجد التوفيق لا يجد السعادة تجده في قلق وحيرة وشك وفي حزنٍ شديد مهما توفر له من أنواع المتاع الدنيوي وصدق الله عز وجل حيث يقول في كشف حقيقة هؤلاء وحياتهم البائسة ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾(طه:123-124) فضمن الله عز وجل لمن آمن به واتبع هداه ألا يخاف ولا يحزن ولا يضل ولا يشقى بل هو على هدى من الله ونور تام وفي سعادة حقيقية في عاجل أمره وآجله وفي دنياه وآخرته وعلى النقيض وفي المقابل ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾(طه:125-127) نعوذ بالله من غضب الله وعقابه لما عمي عن طاعة الله وهداه في الدنيا أعمى الله بصره في الآخرة وصلاه في نار تلظى والعياذ بالله .

إن جميع المخلوقات أيها الأحبة كل ما خلقه الله في السماوات وفي الآرض ما نعلم منها وما لم نعلم ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴾(الحاقة:38-39) ما كبر منها وما صغر ما ينطق منها وله لسان كالبشر والجن والملائكة الذين يتكلمون مثل ما يتكلم البشر وغيرهم ومن ليس له لسان ينطق به أو يتكلم أو لا يعرب ولا يفهم من البهائم والعجماوات والحيوانتات بل حتى الجمادات والصخور والأشجار والنباتات والهوام والدواب ما صغر منها وما كبر وما دق وما جل كل مخلوقات الله عز وجل في السماوات والأرض توحد الله عز وجل وتسبحه وتعظمه وتسجد له في الليل والنهار .

يقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾(الحج :18) كل مخلوقات الله عز وجل في السماوات والأرض ما نعلم وما لا نعلم ما نبصر وما لا نبصر كلها موحدة مسبحة ساجدة لوجهه الكريم سبحانه وتعالى وتسبيحها وتوحيدها وطاعتها لله عز وجل هو سبب سعادتها وأنسها وانتظام معيشتها ومن كان أطوع لله وأكثر إيمانا به كان أكثر سعادة وأمنا وطمأنينة .

﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾( الأنعام :82) يعنى لا بشرك ولا بمعصية ﴿لَهُمُ الأَمْنُ﴾فبين الله أن من لم يلبس إيمانه بشرك فإن له تمام الأمن والسعادة والهداية في الدنيا والآخرة وأما من لبس إيمانه بالمعاصي دون الشرك فإنه وإن حصل له أصل السعادة والأمن والهداية لم يحصل له تمامها بل ينقص من أمنه وسعادته وهدايته بقدر معصيته لربه ومخالفته لمنهجه سبحانه وتعالى ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾(طه :123).

ولهذا فإن كل معصية لله عز وجل تعد معاندة للفطرة ومخالفةً لأمر الله عز وجل وسببا لشقاء العبد وتعاسته في دنياه وآخرته إن لم يتداركه الله عز وجل بتوبة صادقة نصوح فالشرك الذي هو أعظم الذنوب يعد معاند للفطرة لأن حق الله على عباده أن يطيعوه ولا يعصوه وأن يوحدوه ولا يشركوا به أحدا ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾( لقمان :13) .
وكما قال الله في الحديث القدسي (إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويُعبد غيري ، أرزق ويُشكر سواي, خيري إلى العباد نازل ، وشرّهم إليّ صاعد ، أتودد إليهم بالنعم وأنا الغني عنهم ويتبغّضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر ما يكونون إليّ)[2]
المعاصي بأنواعها بعد الشرك وعلى رأسها البدع والإحداث في الدين والخرافات ثم ما يتبعها من المعاصي العملية بالفم باللسان بالعين بالأذن باليد بالرجل بالفرج بالبطن كل هذه معاندة للفطرة لأن الله عز وجل أشبع حاجات البدن الغريزية بما هو مباحٌ حلاح طيب فمن ابتغى الحرام فإنما يعارض أمر الله ويعاند فطرته التي فطر الخلق كلهم عليها ولم يشذ عن هذه الفطرة إلا صنف واحد نكد محروم مخذول مهان وهم الكفار من الإنس والجن وإلا فإن جميع المخلوقات ماعدا هؤلاء مؤمنون موحدون عابدون لله عز وجل .

وكذلك من يعصي الله عز وجل بالزنا والشذوذ الجنسي وشرب الخمر والربا والرشاوي والسرقة وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم والمطل بالحقوق الواجبة كل هؤلاء معاندون للفطرة وهم يسعون شعروا أو لم يشعروا في إشقاء نفوسهم وهلاكها وبوارها وسفالها وخسارتها في الدنيا والآخرة .

وصح عن النبيﷺ أنه قال (كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَو مُوبِقُهَا)[3] أي يخرج في الغداة في الصباح لأعمالهم أو لغرض من أغراضهم لكن كل هؤلاء البشر مهما اختلفت مقاصدهم وتباينت أعمالهم وأهدافهم فإنهم لايخرجون عن أحد رجلين(فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَو مُوبِقُهَا) فإما بائع نفسه لله عز وجل ملتزمٌ بهداه فيسعد في آخرته ودنياه وإما موبق لنفسه بائع لها للشيطان ولإهواء النفس وشهواتها فهذا والله يسعى في إشقاء نفسه وإهلاكها .
(فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَو مُوبِقُهَا ) فانظر من أي الرجلين أنت ! وأي القسمين أنت! وتدارك نفسك قبل فوات الآوان ..
وقد يعجب الإنسان كيف تعبد الجبال والصخور والأشجار والنباتات والبهائم والحشرات كيف تعبد ربها وتسبحه وتوحده ؟
اسمعوا للجواب من كتاب ربكم عز وجل يقول الله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾(النور :41) يعنى كل من في السموات و﴿مَنْ﴾ مِنْ ألفاظ العموم العاقل منها وغير العاقل الذي ينطق والذي لا ينطق ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ أي قد فرشت أجنحتها ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ كل واحد من هذه المخلوقات حتى الطيور والجبال والأشجار والنباتات تعرف كيف تصلى لله عز وجل وتسبحه سبحانه وتعالى .

ويقول عز وجل ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾(الإسراء:44) كل ما في هذه السماوات والأرض ما نعلم منها وما لم نعلم يسبح الله عز وجل ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ يعنى ما من شيء -أي شيء - ﴿وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ومن حلمه أنه يمهل هؤلاء الكفار والمسرفين على أنفسهم بالمعاصي فلا يعاجلهم بالعقوبة لعلهم يتوبوا إلى ربهم ويتوبوا إلى لرشدهم .

وأعجب من هذا الآية السابقة في قوله﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾(الحج :18).

وقال عز وجل﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾(الرعد :15) حتى ظل الكافر العاصي يوحد الله ويسجد له ويسبحه سبحانه وتعالى , ثوبه الذي يلبسه وغطرته التي يرتديها ونظارته ولباسه وسيارته ودابته كلها تسبح الله وتوحده وتسجد لله وهو والعياذ بالله هو المعاند للفطرة العاصي لربه سبحانه.
وقال عز وجل ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ (النحل : 48-49).
وقال ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾(الرحمن:6) النجم أي النجوم المعروفة وقال بعض المفسرين النجم هو صغار النبات والشجر هي الأشجار الطويلة المعروفة كلها توحده وتسبحه .

وأعجب من هذا قوله تعالى ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾(الدخان :29) فالسموات والأرض تفرح بموت الكافر والعاصي الفاجر ومفهوم هذا أنها تبكي على موت المؤمن الصالح يبكي عليه موضع أثره وهو يغدو ويروح إلى المساجد أو الدعوة إلى الله أو البر أو الصلة أو الصدقة يبكي عليه موضع سجوده ثوبه ودابته ونعله لأنها فقدت هذا الذي استعملها في طاعة الله وإقامة ذكره ولهذا قال النبيﷺ(اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)[4] الله أكبر , أرأيتم كرامة المؤمن عند الله !

بل قال النبي (هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)[5] ليس غريبًا أن نحب الجبل أو الشجر أو غيرها مما يوافق رغبتنا ويؤنسنا ويمتعنا لكن العجب كيف الجبل يحب النبي ﷺ وأصحابه وأتباعه !
وفي الحديث الأخر أنه ﷺ صعد جبل أحد ذات يوم ومعه أبوبكر وعمر وعثمان فارتجف الجبل لعله ارتجف فرحًا لوجود أطيب أهل الأرض فوقه رسول الله ﷺ وأفضل هذه الأمة بعده الخلفاء فماذا فعل نبينا ﷺ (عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ فإنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ)[6] لا إله إلا الله يخاطب كما يخاطب العقلاء!.

ويقول ﷺ(إني لأَعرِف حجرًا بمكة كان يُسلِّم عليَّ قبل أن أُبعَث)[7].
وصح في الحديث أيضًا (عَنْ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِالْحجُونِ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ أَرِنِي آيَةَ الْيَوْمَ لا أُبَالِي مَنْ كَذَّبَنِي بَعْدَهَا " فَأُتِيَ ، فَقِيلَ : ادْعُ شَجَرَةً فَدَعَا شَجَرَةً ، فَأَقْبَلَتْ تَخُطُّ الأَرْضَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ ، فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَرَجَعَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :مَا أُبَالِي مَنْ كَذَّبَنِي بَعْدَهَا مِنْ قَوْمِي)[8] .

ومن العجائب التي تؤكد لكم هذه الحقيقة العظيمة التي ربما يجهلها كثير من المسلمين ويغفلون عنها ويعصون الله ويجعلونه أهون الناظرين
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى العصيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني[9]

فلا يستحون من ثيابهم وألبستهم وأحذيتهم التي تكره هذه المعاصي وتبرأ إلى الله من صاحبها .
يحكي لنا رسولنا ﷺ قصة نبي من الأنبياء خرج مع قومه للجهاد فنزلوا منزل بجانب قرية نمل فنام ذلك النبي نومة فقرصته نملة فآلمته فغضب فأمر بإحراق قرية النمل كما جاء (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عن رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ ، فَأُحْرِقَتْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ )[10] لا إله إلا الله .

ولذلك قالﷺ (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ)[11] انظر حفاوة الملائكة بهذا المؤمن الصالح طالب العلم الذي يريد أن يعرف مراد الله ليعمل به ويدعو إليه .
ثم العجب أن الله وملائكته أهل السماء يعنى الخلائق الذين لا يعلمهم إلا الله يستغفرون له!.

فلا تعلم من الملائكة إلا أقل القليل حتى قال النبي ﷺ (أطت السماء أطا، وحق لها أن تئط؛ ما فيها أربع أصابع إلا وفيها ملك قائم، أو راكع، أو ساجد، يعبد ربه)[12] وقال عن البيت المعمور الذي في السماء السابعة (ثُمَّ رُفِعَ بِي إِلَى الْبَيْت الْمَعْمُور وَإِذَا هُوَ يَدْخُلهُ كُلّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ )[13]
وهنا يقول(وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ) كلهم بلا استثناء حتى النملة في جحرها من أصغر المخلوقات والحيتان في الماء من أكبر المخلوقات ليصلون على معلم الناس الخير كل هذه المخلوقات تثني وتدعو لمعلم الناس الخير بل الله في علاه .

أرأيتم كيف إن الكون كله يسبح الله ويحب كل من يحبه الله ويعينه ويساعده.
ولهذا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : إِنِّي لَأَعْصِي اللَّهَ فَأَرَى ذَلِكَ فِي خُلُقِ دَابَّتِي ، وَامْرَأَتِي .
وهذا لكمال إيمانهم وصحة استقامتهم يقول إني إذا عصيت الله بمعصية ولو من الصغائر أرى تكديرا في حياتي وتنغيصا في عيشي حتى زوجتي المحبة المطيعة تتغير على ودابتي الذلول المريحة أيضًا تنكد على حياتي , سبحان الله لكن من غرق في المعاصي لا يشعر بهذا لأنه في شقاءٍ دائم وبلاءٍ مستمر فقلبه في قلق وحيرة وشك وظلمة مهما تنعم ظاهره أكل ما شاء وشرب ما شاء وتربع في البيوت الفاخرة وركب المراكب الفارهة وغيرها قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى لايزال في قلق وشقاء والعياذ بالله .

ويقول النبي ﷺ (إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَقَالَ : إِنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ ، قَالَ : فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ ، قَالَ : فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ)[14]حتى الشجار والحيوانات والنباتات تحبه وتثني عليه وتدعو له وتعينه بإذن الله وهذا سر من أسرار التوفيق والتيسير والهداية التي يجدها المؤمن كما قال الله تعالى﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا *وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ (الطلاق:2-4) وحسبه أي كافيه كل ما أهمه من أمور الدنيا والآخرة .

وفي المقابل وعلى النقيض (وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ : إِنِّي أُبْغِضُ فُلانًا ، فَأَبْغِضْهُ ، فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضُوهُ فَيُبْغِضُوهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ )[15]نغوذ بالله من هذه الحالة ولهذا لا تسأل عما يجد من تنغيص الحياة والقلق والحيرة والشك الذي يكدره فلا يهنأ بطعام ولا شراب ولا نوم ولا مال ولا زوجة ولا عيال كما قال الله عن الكفار ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾(التوبة:55) الأموال والأولاد التي هي زينة الحياة الدنيا يعذبهم بتلك بها يعنى ياليت الذي أصابهم من الشقاء والبلاء في الحياة الدنيا يعفيهم من عذاب الآخرة لكنهم جمعوا المصيبتين وخسروا الدارين نسأل الله العافية والسلامة .

اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة واجعلها لوجهك خالصة
واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر
واجعلنا ممن يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم وفي هدي سيد المرسلين
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب
فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم عليه الله وعلى آله وأصحابه وإخوانه

داود عليه الصلاة والسلام عُلّم منطق الطير بل منطق الجبال والأشجار والأحجار كما قال الله عز وجل على لسانه ﴿وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾(النمل :16) ومن الأشياء التي أكرمه الله بها أنه إذا سبح الله عز وجل وذكره أو صلى وسجد فإن الجبال والطيور والأشجار تسبح معه وتردد ورائه فإذا قال الله أكبر قالت الجبال الله أكبر وإذا قال سبحان الله قالت كذلك وكذلك الطير وسائر المخلوقات المسخرة له ولهذا قال الله سبحانه ﴿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴾(ص:17-18) وقال تعالى ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾(الأنبياء:79) .
وقال عز وجل آمرًا هذه الجبال بالترديد﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾(سبأ:10).

وفي الحديث الصحيح عن عبدالله بن عباس قال (جاء رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ ، فَرَأَيْتُ كَأَنِّي قَرَأْتُ سَجْدَةً فَسَجَدْتُ ، فَرَأَيْتُ الشَّجَرَةَ كَأَنَّهَا تَسْجُدُ بِسُجُودِي ، فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ سَاجِدَةٌ ، وَهِيَ تَقُولُ : اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي عِنْدَكَ بِهَا أَجْرًا ، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا ، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا ، وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَ مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ السَّجْدَةَ ، ثُمَّ سَجَدَ ، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَ الرَّجُلُ عَنْ كَلامِ الشَّجَرَةِ )فهذا يدل على مشروعية هذا الذكر في سجود التلاوة .
ومن العجب أن الشجرة تدعو الله عز وجل وتسبحه وتَقُولُ : اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي عِنْدَكَ بِهَا أَجْرًا ، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا ، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا !.

وفي حديث أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ , قَالَ ( إِنِّي لَشَاهِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَلْقَةٍ ، وَفِي يَدِهِ حَصًى ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ ، وَفِينَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، فسَمِعَ تَسْبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَسَبَّحْنَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ، سَمِعَ تَسَبِيحَهُنَّ مَنْ فِي الْحَلْقَةِ ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُمَرَ ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ ، وَسَمِعَ تَسَبِيحَهُنَّ مَنِ فِي الْحَلْقَةِ ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ دَفَعَهُنَّ إِلَيْنَا ، فَلَمْ يُسَبِّحْنَ مَعَ أَحَدٍ مِنَّا )[16].

ويقول عبدالله بن مسعود (لَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ)[17] هذه من المعجزات التي كشفها الله عز وجل للصحابة رضي الله عنهم لتدل على صدق رسالة محمد ﷺ .
أيضًا من الأمور العجيبة في هذا الباب غيرة هذه المخلوقات التي نراها جمادات لا تتكلم ولا تعرب ولا تفهم لكن كما قال الله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾(الإسراء :44) غيرة هذه المخلوقات على التوحيد فكما قال الله تعالى ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً (91)﴾(مريم :89-91) أي منكرًا عظيمًا وكذبًا وبهتانًا كبيرا تكاد السموات والأرض تتشقق وتخر من هذه الدعوة البشعة الشنيعة المنكرة وذلك لصدق توحيدها وإخلاصها لربها .

وقال عز وجل ضاربًا لنا مثلا عجيبًا ليدل لنا على قسوة قلوبنا وتقصيرنا ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر :21).
وقد روى الإمام البخاري رحمه الله (أن النبيﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ ، فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ !قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟قَالَ : الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ)[18] فكل هذه المخلوقات تتأذى بهذا الكافر والعاصي فإذا مات فرحت بموته كما قال الله تعالى ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾(الدخان: 29) .
وقال ﷺ (ما من مسلم يلبي إلا لبي من عن يمينه وشماله، من حجر، أو شجر، أو مدر حتى تنقطع الارض من هاهنا وهاهنا)[19] .

ويقول ﷺ وهذا من العجب العجاب كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ ( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ , فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ , حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ , فَيَقُولُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ : يَا مُسْلِمُ , يَا عَبْدَ اللَّهِ , هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي , فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ , إِلا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ )[20] هذا لتعلم أنه لن يحرر القدس إلا العبد المسلم المخلص لا قومية ولا اشتراكية ولا رافضية تحارب الله ورسوله والمؤمنين فلن يحرر القدس إلا عباد الله المخلصين (يَا عَبْدَ اللَّهِ , هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي , فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ) ولما كانت كل المخلوقات أيها الأحبة تسبح الله وتعظمه وتسجد له ولم يشذ عن كل هؤلاء الخلائق الذين لا يحصيهم إلا الله إلا صنف واحد وهم كفار الإنس والجن استحقوا بعد أن تقوم عليهم الحجة وبعد معرفة الحق ورفضه أن يكونوا شر البرية – شر ما خلق الله وبرأ وذرأ- فهم أحط منزلة وأقل مرتبة من البهائم والشجار والحيوانات ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾(الأنفال:55) الكافر الذي علم الحق وأبى إلا معاندة الفطرة ومعصية الله هذا شر الدواب عند الله شرهم رتبة وشرهم حالة لأنه يعيش في شقاء وشرهم مآلا لأن مأله إلى النار خالدا مخلدا فيها أبدا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾(فاطر:36) نسأل الله العافية .

وقال عز وجل ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾(البينة :6) سبحان الله هذا الإنسان الذي كرمه الله وقال عنه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾(الإسراء :70) كرامات عظيمة من أعظمها إرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم وهذا العقل الذي منحهم إياه يميزون بين الخير والشر والضار والنافع.
وهذه الخلقةالحسنة﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾(التين:4)واستخلافهم في الأرض وتسخير ما في السموات والأرض لهم ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾(لقمان:20) هذه من أنواع الكرامات التي أكرم بها كل بني آدم - جنس بني آدم - لكن هذا الإنسان الذي كرّمه الله عز وجل وسخر له ما في السموات والأرض إذا كفر بالله بعد معرفة الحق فإن يستحق أن يكون أهون الخلق على الله وأحطَّهم منزلة وأسؤهم حالًا ومآلًا وأسئمهم عاقبة ولهذا قال الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأنعام:179) يعنى لا يسمعون ولا يبصرون ولا يفقهون ما ينفعهم ويهديهم لما يسعدهم في الدنيا والآخرة صاروا كأنهم لا قلوب لهم ولا أسماع ولا أبصار لأنها لم تنفعهم ثم قال ﴿ أولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ كما يقول تعالى ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾(الفرقان:44) الأنعام أكرم منهم لأنها موحدة لله مسبحة مطيعة لله أدت الواجب عليها والحكمة التي خلقت من أجلها أما هذا الكافر كما قال الله عز وجل عليه ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾(المؤمنون:115).

اللهم كما هديتنا للإسلام فارزقنا الثبات عليه حتى الممات
اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها
اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفسٍ لا تشبع ومن دعاءٍ لا يسمع ونعوذ بك من هؤلاء الأربع
الله أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وانصر عبادك الموحدين
اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله بنفسه ورد كيده في نحره واجعل تدميره في تدبيره وأدر عليه دوائر السوء يا قوي يا متين

اللهم يا من وسعت رحمته كل شيء وهو القادر على كل شيء والعالم بكل شيء انصر إخواننا في سوريا وفي العراق وفي كل مكان
اللهم كن لهم مؤيدًا ونصيرًا ومعينًا ونصيرًا وهاديًا ودليلًا وانصرهم على عدوك وعدوهم يا أرحم الراحمين
اللهم يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واستر عيوبنا وأصلح أحوالنا واشف مرضانا وعافي مبتلانا واغفر لموتانا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور
أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾( العنكبوت :45)

-------------------

[1] رابط الخطبة

[2] الجزء الأول وهو قوله ( إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويُعبد غيري ، أرزق ويُشكر سواي) أخرجه الطبراني في " مسند الشاميين " (2/93)، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (17/77) وعبد الغني المقدسي في " التوحيد " (108) - ، وأخرجه الحاكم في " تاريخ نيسابور " – كما عزاه إليه في " الدر المنثور " (7/625) - وأخرجه أيضاً البيهقي في " شعب الإيمان " (4/134)، والديلمي في " الفردوس " (3/166(كلهم من طريق بقية بن الوليد ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، وشريح بن عبيد الحضرميان ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه .
يقول الشيخ الألباني رحمه الله : ضعيف منقطع ، فإن عبد الرحمن بن جبير ، وشريح بن عبيد لم يدركا أبا الدرداء ، فعلة الحديث الانقطاع " انتهى. السلسلة الضعيفة " (رقم/2371)، وضعفه السيوطي في " الجامع الصغير "، والمناوي في شرحه " فيض القدير " (4/469).
ومع ذلك فمعنى الحديث صحيح مقبول ، وليس فيه ما ينكر ، إلا أنه لا تجوز نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم .
يقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله : معناه صحيح ، أن الله يخلق ويعبد سواه ، الله خلق المشركين وعبدوا سواه ، والله يرزق ويشكر سواه ، هذا واقع " انتهى.
أما الجزء الثاني وهو قوله : ( خيري إلى العباد نازل ، وشرّهم إليّ صاعد ، أتودد إليهم بالنعم وأنا الغني عنهم ! ويتبغّضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر ما يكونون إليّ )
فهو حديث موضوع مكذوب وإن كان معناه مقبول أيضا :جاء في " السلسلة الضعيفة " (حديث رقم/3287) للشيخ الألباني رحمه الله
[3] أخرجه مسلم كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء، (223)، (1).
[4] أخرجه البخارى ( 7/123 ) وغيره عن أبى صالحٍ ، عن جابر مرفوعاً : " اهتز العرش لموت سعدٍ " فضائل الصحابة ؛ مناقب سعد بن معاذ رضي الله عنه / وعند مسلم : فضائل الصحابة رضي الله عنهم ؛ من فضائل سعد بن معاذ رضي الله عنه).
[5] صحيح البخاري رقم4422 (ج 10 / ص 518) و مسلم رقم3437 (ج 4 / ص 123) باب أحد جبل يحبنا ونحبه.
[6] أخرجه البخاري (3675، 3686، 3699)، والترمذي(3697)، وأبوداود (4651) من حديث أنس.
[7] أخرجه مسلم: كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة (2277)، عن جابر بن سمرة.
[8] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 389- 390، حديث رقم (290) ، (الخصائص الكبرى) : 1/ 302، والحجون: موضع بأعلى مكة، (دلائل البيهقي) : 6/ 13.
وفي رواية: فنادى شجرة من جانب الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا حتى وقفت بين يديه (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : 1/ 198.
[9] نونية "أبي محمد الأندلسي القحطاني".
[10] أخرجه مسلم 4/ 1759، برقم: 2241.
[11] أخرجه أحمد في "المسند" (4 / 239) (رقم : 240 ، 241) ، والترمذي كتاب الدعوات (5 / 519) (رقم : 3535 ، 3536) ، والنسائي الطهارة (1 / 105) (رقم : 158) ، وعبد الرزاق في "المصنف" (1 / 204) (رقم : 793 ، 795) ، وابن خزيمة (1 / 97) (رقم : 193) ، والدارمي (1 / 85) (رقم : 363) ، وابن حبان (1 / 285) (رقم : 85) ، والطبراني في "الكبير" (8 / 66) (رقم : 7352 ، 7373 ، 7382 ، 7388) كلهم من طريق عاصم ابن أبي النجود عن زرّ بن حبيش عن صفوان بن عسال قال : قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليْهِ وسَلَّم.
[12] سنن الترمذي – كتاب الزهد – باب في قول النبي ﷺ «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً...»(4/481، 482ح2312) - سنن ابن ماجه – كتاب الزهد – باب الحزن والبكاء (2/1402ح4190) - والمسند (5/173).
[13] تفسير سورة الطور آية 4 وحديث الشيخين في الإسراء .
[14] صحيح البخاري : 3 / 1175 / 3037 ، صحيح مسلم : 4 / 2030 / 157 ، الموطّأ : 2 / 953 / 15 ، مسند ابن حنبل : 3 / 595 / 10679 و ص 246 / 8508.
[15] صحيح البخاري : 3 / 1175 / 3037 ، صحيح مسلم : 4 / 2030 / 157 ، الموطّأ : 2 / 953 / 15 ، مسند ابن حنبل : 3 / 595 / 10679 و ص 246 / 8508.
[16] أخرجه الطبراني في الأوسط (1244)، وقال الهيثمي: "وله طرق أحسن من هذا في علامات النبوة، وإسناده صحيح". مجمع الزوائد (5/327)، وصححه الألباني في تخريج كتاب "السُّنَّة" (1146).
[17] أخرجه البخاري: كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3386).
[18] أخرجه البخاري (6512) ، ومسلم (. 950 ) .
[19] أخرجه الترمذي برقم (828) وصححه الألباني في الجامع الصغير .
[20] أخرجه مسلم :كتاب الفتن وأشراط الساعة (2922).


للمزيد من مواضيعي

 



تقييم الموضوع



ينابيع التفاؤل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)

نص خطبة (معاندة الفطرة) للشيخ عبدالعزيز الفوزان حفظه الله



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حلقة يوم الجمعة 20/6/1433هـ للشيخ عبدالعزيز الفوزان - حفظه الله - إدارة المنتديات الجواب الكافي 3 18-03-2018 03:52 PM
حلقة يوم الأحد 22/10/1433هـ للشيخ عبدالعزيز الفوزان - حفظه الله - إدارة المنتديات الجواب الكافي 2 10-03-2018 04:52 PM
حلقة يوم الجمعة 29/2/1434هـ للشيخ عبدالعزيز الفوزان - حفظه الله - إدارة المنتديات الجواب الكافي 6 18-02-2018 11:00 PM
خطبة الجمعة للشيخ د.عبدالعزيز الفوزان بعنوان/ معاندة الفطرة ، 1-8-1435هـ في قطر ينابيع التفاؤل قـناة الشيخ د. عبد العزيز الفوزان 2 31-05-2014 07:40 PM


الساعة الآن 04:55 PM بتوقيت الرياض


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

الخفجي
تطوير رسالة الإسلام